نخبة من الأكاديميين
400
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
على حياة الأثرياء والمثقّفين والنخب السياسية ، فقد لوحظ أنّ الطبقات المدنية الدنيا كصغار الحرفيين والعمال الذين يعملون في مناطق الجوار المحلية كانوا أقل تأثّرا " بالنفوذ الأوروبي ، وبالتأكيد فإنّ هذه الطبقة كانت الأقل استفادة من غيرها . أمّا الأكثرية الريفية فكانت الأقل تأثرا " واستفادة على حد سواء . ونستنتج من ذلك أنه كلما ابتعد المرء عن المدن والبلدات الرئيسية كلما خف التأثير الأوروبي . بل إنّه وحتى في الخمسينات من القرن الفائت ، لم يكن مستغرباً أن يتجول المكتشفون الأوروبيون ، مثل ويلفريد تسيغر وفريا ستارك ، في مناطق مختلفة من الشرق الأوسط من دون أن يروا عمليا " أي تأثير أوروبي ، رغم أن هذا لم يدم طويلا " ، فلقد كان عند علماء الإناسة العظماء من جيل أساتذتي الخيار في أن يقوموا بأبحاث ميدانية في المجتمعات " التقليدية " ، أو أن يختاروا مواقع أخرى يمكنهم دراسة تأثير التغيير فيها . كان العالم المصري [ الديني ] الكبير ، محمد عبده ، هو الذي حذّر في نهاية القرن التاسع عشر من التأثير الأوروبي الحضاري والسياسي المتزايد والمتفاوت في الوقت نفسه ، الذي يهدّد بنشوء مجتمعين مصريين منفصلين : الأول يستجيب بل ويلتزم بالأفكار والممارسات الجديدة القادمة من فرنسا وإيطاليا وألمانيا وبريطانيا ، قد أضحت معرفته بالتقاليد ، وبخاصة التقاليد الإسلامية ، سطحية ومحدودة . وبدا عبده في هذا وكأنه يتحدّث عن تيار أنتج في ما بعد مصطفى كمال أتاتورك ، الذي فرض خلال العشرينات من القرن الفائت عادات أوروبية ، وتطلع إلى أوروبا كنموذج حضاري وسياسي في مشروعه لتركيا أوروبية جديدة . - الثاني : هو المجتمع التقليدي القائم في البلدات البعيدة عن الأجزاء المتأوربة ، وبصورة خاصة الريفية منها ، حيث استمرت الحياة مصبوغة بالنفحة الدينية التي لم تكن لتوافق على « الأوربة » في المراكز الإسلامية المدينية ولا حتى المسيحية ، لكنها كانت تتطلع إلى المراكز المدينية للتوجيه والقيادة . وكان الريف التقليدي هو الخزّان الطبيعي الذي نهلت منه الفئات الدينية . ولقد شكّلت الحرب العالمية الأولى منعطفا " تاريخيا " . حيث خاضها الأوروبيون على أنّها " حرب لإنهاء كل الحروب " . وُطبع على الأوسمة الحربية التي منحت للجنود البريطانيين في ما بعد : " الحرب الكبيرة من أجل الحضارة " « 1 » . وفي الوهج الأول للانتصار ، شكّلت نقاط الرئيس الأميركي ويلسون ، الأربع عشرة أساسا " معلنا " لعملية السلام ، وأسّست عصبة الأمم كبرلمان عالمي ورجّحت كفة أفكار الديموقراطية الليبرالية والدستورية . وقد صاغت عصبة الأمم عام 1922 مفهوم " الانتداب " للدول التي " حُرّرت " من سيطرة القوى المهزومة مثل ألمانيا والإمبراطورية العثمانية التي لم تعتبر " ناضجة " في شكل كاف لتنال استقلالها التام ؛ وشملت الأراضي المنتدبة في الشرق الأوسط ، المقاطعات العثمانية السابقة التي أصبحت فلسطين
--> ( 1 ) - يستخدم روبرت فيسك هذه المقولة في شكل هازئ كعنوان لكتابه : الحرب الكبرى لأجل الحضارة : فتح الشرق الأوسط ، The great war for civilization : the conquest of the Middle East London : Fourth Estate ( 2005 ) .